أبي حيان الأندلسي

98

البحر المحيط في التفسير

اللفظتان عوذة للعرب يقولهما من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة انتهى . ومنه قول المتلمس : حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدهاريس أي هذا الذي حننت إليه هو ممنوع ، وذكر سيبويه حِجْراً في المصادر المنصوبة غير المتصرفة . وقال بعض الرجاز : قالت وفيها حيرة وذعر * عوذ يرى منكم وحجر وأنه واجب إضمار ناصبها . قال سيبويه : ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا ؟ فيقول حجرا وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من اللّه أن يمنع المكروه لا يلحقه . وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك حِجْراً بضم الحاء . وقيل : الضمير في وَيَقُولُونَ عائد على الملائكة أي تقول الملائكة للمجرمين حِجْراً مَحْجُوراً عليكم البشرى و مَحْجُوراً صفة يؤكد معنى حِجْراً كما قالوا : موت مائت ، وذيل ذائل ، والقدوم الحقيقي مستحيل في حق اللّه تعالى فهو عبارة عن حكمه بذلك وإنفاذه . قيل : أو على حذف مضاف أي قدمت ملائكتنا وأسند ذلك إليه لأنه عن أمره ، وحسنت لفظة قَدِمْنا لأن القادم على شيء مكروه لم يقرره ولا أمر به مغير له ومذهب ، فمثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ، ومنّ على أسير . وغير ذلك من مكارمهم بحال قوم خالفوا سلطانهم فقصد إلى ما تحت أيديهم فمزقها بحيث لم يترك لها أثرا ، وفي أمثالهم أقل من الهباء و مَنْثُوراً صفة للهباء شبهه بالهباء لقلته وأنه لا ينتفع به ، ثم وصفه بمنثورا لأن الهباء تراه منتظما مع الضوء فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب . وقال الزمخشري : أو جعله يعني مَنْثُوراً مفعولا ثالثا لجعلناه أي فَجَعَلْناهُ جامعا لحقارة الهباء والتناثر . كقوله كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * « 1 » أي جامعين للمسخ والخسء انتهى . وخالف ابن درستويه فخالف النحويين في منعه أن يكون لكان خبران وأزيد . وقياس قوله في جعل أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث . وقال ابن عباس : الهباء المنثور ما تسفي به الرياح وتبثه . وعنه أيضا : الهباء الماء المهراق والمستقر مكان الاستقرار في أكثر الأوقات . والمقيل المكان الذي يأوون إليه في

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 65 .